السيد كمال الحيدري

194

اللباب في تفسير الكتاب

توضيحاً لهذه الحقيقة نقول : إنّ للأشياء وجوداً في الأعيان ووجوداً في اللسان ووجوداً في الأذهان ، أمّا الوجود في الأعيان فهو الوجود الأصلي الحقيقي ، والوجود في الأذهان هو الوجود العلمي الصوري ، والوجود في اللسان هو الوجود اللفظي . فإنّ السماء مثلًا لها وجود في عينها ونفسها ثمّ لها وجود في أذهاننا ونفوسنا لأنّ صورة السماء تنطبع في أبصارنا ثمّ في خيالنا ، حتّى لو عدمت السماء مثلًا وبقينا لكانت صورة السماء حاضرة في خيالنا ، وهذه الصورة هي التي يعبَّر عنها بالعلم وهو مثال المعلوم ، فإنّه محاكٍ للمعلوم وموازٍ له ، وهى كالصورة المنطبعة في المرآة فإنّها محاكية للصورة الخارجة المقابلة لها . وأمّا الموجود في اللسان فهو اللفظ المركّب من أصوات قطّعت ثلاث تقطيعات ؛ يعبّر عن القطعة الأولى بالسين وعن الثانية بالميم وعن الثالثة بالألف ، وهى كقولنا : سماء ، فالقول دليل على ما في الذهن ، وما في الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له . فإذن : اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنّها متطابقة متوازية ، وربما تلتبس ولم يتميّز بعضها عن بعض . وكيف لا تكون هذه الموجودات متمايزة ، ويلحق كلّ واحد منها خواصّ لا تلحق الأخرى ، فإنّ الإنسان مثلًا من حيث إنّه موجود في الأعيان يلحقه أنّه نائم ويقظان وحىّ وميّت وقائم وماشٍ وقاعد وغير ذلك ، ومن حيث إنّه موجود في الأذهان يلحقه أنّه مبتدأ وخبر وعامّ وخاصّ وكلّى وجزئىّ وقضيّة وغير ذلك ، ومن حيث إنّه موجود في اللسان يلحقه أنّه عربىّ وعجمىّ وتركىّ وكثير الحروف وقليلها وأنّه اسم وفعل وحرف وغير ذلك ، وهذا الوجود ممّا يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت في عادة الأمصار ، فأمّا الوجود الذي في الأعيان والأذهان لا يختلف بالأعصار والأمم البتّة . وإذا عرفت أنّ الاسم إنّما يُعنى به اللفظ الموضوع للدلالة ، فاعلم أنّ كلّ